| لم يتخيل عبد الناصر وزملاؤه في تنظيم الضباط الأحرار أنهم سيحققون كل ذلك النجاح المفاجئ لتلك الحركة التي أطلق عليها فيما بعد "الثورة المباركة" ، كانت كل أحلامهم تتمثل في تحقيق بعض المطالب الفئوية إن لم يتم اعتقالهم ومحاكمتهم كما حدث مع ثورة سابقة في عهد الخديوي توفيق وأيضا مع ضباط الجيش المصري ، لكن تطورات الموقف وضعت رجال الجيش في موقف لا يحسدون عليه خاصة مع انعدام خبرتهم بالحياة السياسية والعمل العام بصفة عامة.
وكل ماجنته مصر من تلك الحركة هو يوم اجازة للجماهير العاملة الكادحة ، بدقة أكثر وعدت الثورة بالإصلاح فلم تجن مصر منها سوي الشقاء ، وعدت الثورة بالعدالة فلم تجن مصر منها سوي الظلم ، وعدت الثورة مصر بالنصر لفم تجن منها إلا الهزيمة ، تبددت وعود الثورة منذ اول يوم بدات فيه تأكل أبناءها ، وهذه طبيعة الثورات والحركات الانقلابية بصفة عامة ، فهي تأكل أبناءها المخلصين لصالح أبنائها المصلحين لانهم لم يخططوا لانفسهم بل خططوا للصالح العام لذلك كان السجن والعزل والنفي مصيرهم.
نشرت جريدة اليوم السابع تحقيقا صحفيا حول معرفة شباب 2010 بثورة يوليو ومدي إيمانهم بمبادئها وكانت نتيجة التحقيق مفجعة لمؤرخي الثورة الذين طالما اعتقدوا أن يوم الثورة هو يوم الانتصار العظيم الذي يجب أن لا ينساه أبناء مصر ، شباب مصر يرون أنها مجرد يوم أجازة ولا يتذكرونها إلا بالأغاني والأفلام ، وومن لدية معلومه شبه صحيحة فهي انها كانت حركة وقلبت بثورة.
الثورة القيم والمبادئ :
لم يستطع عبدالناصر أن يؤجل عزمه علي امتلاك ناصية الحكم كما أراد ، حيث أصبحت البلد تدار بزر يمينا ويسارا كما قال لأصدقائه ،الثورة التي تمت برعاية إخوانية كما ذكرت مذكرات الكثير من الضباط الاحرار وغيرهم ممن عاصروا الاحداث انقلبت علي الإخوان وكانت المعتقلات هي المكان الامثل للإخوان وبهذا يتخلص عبد الناصر من الشوكة الرئيسية التي تمنعه من الحكم المطلق المستبد ، ثم تخلص من رفاق دربه وزملاء كفاحه واحدا تلو الآخر ولم يبق إلا علي المخلصين الاوفياء لشخصه فحسب ، وفتح عبد الناصر علاقات واتصالات سرية مع اليهود حتي في أحلك لحظات حرب 56 عندما كان يحتفل بعيد ميلاد ابنه عبد الحميد والقوات الصهيونية تتوغل في سيناء ولم يعرف الخبر إلا من وكالات الأنباء.
الحركة انقلبت إلي ثورة ومنها انقلبت إلي حكم فردي استبدادي في يد عبد الناصر ، وشكك مؤرخون كثيرون في إخلاص عبد الناصر وصدقه حيث رسم لنفسه هالة واسعة من الخوف والرهبة في نفوس المصريين ورسم لنفسه هالة من الزعامة بين دول افريقيا وآسيا ، أصبح عبد الناصر مثالا يحتذي به للكثير من الملوك والرؤساء الذين تعلموا منه الاستبداد ولم يجدوا شيئا آخر ليتعلموه.
تخلي عبدالناصر عن القضية الفلسطينية منذ أول يوم عندما ضرب الصهاينة المعسكر المصري في خان يونس وقتل أكثر من 20 جنديا مصريا ولم يحرك ساكنا ، باع القضية لليهود الذين تربي في أحضانهم منذ صغره في حارة اليهود ، قضي عبدالناصر علي كل خصومه المتواجدين علي الساحة ، ترك الحرية والمجال الواسع للكيان الصهيوني ليفرض نفسه ويحتل ويمكن وينتصر ويتوسع.
فيما فشلت الثورة :
ثورة عبد الناصر علي رغم النجاحات التي حققتها في قمع المصريين وقتل الفكر وترويع الآمنين وزرع الجبن والخور في نفوس الناس ، فشلت في قتل الانتماء لدي الشباب الذين تظاهروا وحاولوا إلا أن القمع والمعتقلات كانت بانتظارهم ، لم ينجح عبد الناصر في القضاء علي الإخوان مات عبدالناصر ولا يزال الإخوان يعملون لدين الله ، فشلت الثورة في رسم صورة حقيقية تاريخية مشرفة لها بل وحازت علي اشمئزاز الكثيرين من الأدباء والمؤرخين فيما بعد الذين لم يستطيعوا أن يتكلموا وقتها ، فما أن مات عبدالناصر ظهرت تلك الكتب والقصص والأفلام والروايات التي تؤرخ لتلك الفترة العصيبة.
لم تنجح الثورة في شئ يحسب لها بل كل ما نجحت فيه حسب عليها ، وما حوته محاضر النيابة العامة في تحقيقات خاصة بجهاز المخابرات المصري في الستينيات في قضية اتهم فيها صفوت الشريف وهو الضابط المسئول عن الملف وقتها وهي الخاصة بملف الدعارة والسيطرة كما عرفت فيما بعد ، هو خير دليل علي الاساليب التي كانت تتبعها أجهزة عبدالناصر لضمان ولاء الرجال والسيطرة عليهم.
النظام وامتداد عصر الثورة :
القضية هنا هي ان الثورة لم تنتهي بنهاية عبدالناصر وإنما امتدت لتدفع النظم التالية في نفس الخانة ، فالزعيمين التاليين السادات ومبارك سارا علي نفس الخطوات ولكن بشكل مختلف فكل منهما كان يبني مجدا شخصيا لنفسه وحاول ان يكون بطريقة اكتساب عطف الشعب وحبه ، ومن ثم تكون هناك سيطرة لكن مختلفة عن سيطرة عبدالناصر ، الشاهد في الزعماء الثلاثة أن هناك فئة كانت تعمل بمنتهي الإخلاص في سبيل حماية هذا النظام لايهامه بانها فقط هي المخلصة وهي المحافظة علي كيانه ووجوده وكانت متمثلة في العسكر والداخلية في عهد عبدالناصر ، وكان السادات زعيم نفسه ، أما مبارك فقد تجمعت فئات كثيرة من رجال الأعمال والداخلية والعسكر وغيرهم ليقوموا بهذا الدور الأساسي في الحفاظ علي شخصة الرئيس والتي يمثل النظام فهو النظام كل النظام.
ثورة يوليو وتصحيح الطريق :
لم يعد هناك مجالا للتراجع لا بد من التصحيح والإصلاح ، والقضية يجب أن تكون مفهومة وواضحة للجميع بحيث يكون هناك عمل وطني متكامل لسحق هذه الافكار البالية التي تراكمت في نفوس الناس وزرعت فيهم الخوف والرهبة من صور وهمية رسمتها أياد عميلة للصهيونية العالمية ، الجميع يجب ان يتحرر من تلك الازمة النفسية التي صنعها نظام لم يفهم يوما معني السياسة وانما كان دائما يفهم معني دائما معني المصلحة الشخصية والسمعة التاريخية.
كان من الممكن أن تكون ثورة يوليو بداية الطريق الصحيح لاعادة مجد هذه الامة لكنها انحرفت عن اهدافها الاسلامية إلي أهداف حتي الىن يختلف عليها الكثيرون لكن لا شك انا كانت غير اسلامية كما اكد عبد الناصر في كثير من المواقف ، إذا فهل الحل هو ثورة جديدة لتصحيح الاوضاع ؟ أم أن الوضع الحالي قد يدفع بالكثيرين لليأس ، والواقع الذي يفرض نفسه بما يفعل النظام الحالي في كل طوائف الشعب ، أنه لا بد من حركة للدفع بهذا الركود الذي اصاب الجميع مما يعني أن الوصول لمرحلة وطنية بات وشيكا.
ومن هنا فإن التفاعل مع كافة التيارات العاملة علي الساحة بهذا الشكل الحالي لهو أمر مبشر ويحتاج للدعم والدفع في الموضوع ومن ثم نشر الفكرة الاصلاحية وان يتبناها الشعب كله وبهذا تكون الحركة شعبية لا عسكرية ومن ثم يكتب لها النجاح.
|